محاضرة محافظة بنك إسرائيل في مؤتمر ايلي هورفيتش للاقتصاد والمجتمع – "مجتمع واحد – اقتصاد واحد"

19/06/2017 |  Flug Karnit

الجهاز الاقتصادي والنشاط الاقتصادي
ما سأحاول توضيحه هنا هو بأن هذا الوضع لم يعد يحتمل. اذا اردنا ان نصل إلى مجتمع فيه تماسك اجتماعي، دون فجوات بمستويات غير معقولة فعلينا أن نغيّر حالة الاقتصاد المزدوج التي نعيشها اليوم، ليصبح اقتصادًا واحدًا، يمكن تحقيق هذا الهدف عبر التنمية الشاملة. اقنصاد واحد لا يعني ان ينشغل الجهاز الاقتصادي بأكمله في صناعة الهايتك فقط. الاقتصاد الواحد هو اقتصاد تستخدم فيه جميع القطاعات التكنولوجيا المتطورة التي تمتاز بالانتاجية العالية والابتكار، ومن هنا يشتق الأمر الأهم – دفع أجور لائقة للعمال.

وجدت تجسيدًا للحالة التي نعيشها اليوم في شريحة عرضها شلومو دفرات في مؤتمر عقد في معهد أهرون قبل عدة اسابيع (شريحة 2). وهي لقطار يمثل الاقتصاد المزدوج – قاطرة حديثة ومتطورة تجر عربات قديمة ومتهالكة.

لنبدأ مع القاطرة:
في الجهاز الاقتصادي الاسرائيلي توجد حوالي 5000 شركة ناشئة (ستارت أب) (شريحة 3)، في مختلف  التخصصات، وتتميز بالابتكار وبديناميكية رائعة. هذا الابتكار يستند على عدة خصائص تنعكس بالتدريج المتقدّم لاسرائيل في مؤشرات الابتكار الدولية (شريحة 4)، مثل الجامعات التي تزود الجهاز الاقتصادي بالثروة البشرية عالية الجودة، وتخلق قوة علمية وتكنولوجية، التعاون الممتاز بين الاكاديميا والصناعة، صناعة رأس المال المخاطر المتطوّرة. اضافة إلى هذه العوامل فقد شكلت التحديات التي تواجه إسرائيل أيضًا، الأمنية منها والمدنية، دافعًا للابتكار والإبداع. ينعكس الأمر بصناعة السايبر، والتي قامت بجزء منها نتيجة للتهديدات الأمنية، أو مثلا في الحلول لمشكلة نقص المياه التي تعاني منها دولة اسرائيل منذ سنوات طويلة، هذا النقص الذي على اثره تطوّرت في اسرائيل صناعة تكنولوجيا التنقيط، وتحلية المياه واستخدام المياه المستصلحة، والتي اصبحت اليوم تصدّر خبرتها لجميع أنحاء جميع العالم. وهذه بالطبع امثلة فقط.

كانت النتيجة بأن اسرائيل أصبحت رائدة في نسبة العاملين في قطاع الهايتك – حوالي 9%، وهذا اكثر من ضعف المتوسّط في دول OECD (شريحة 5)؛ وبالاستثمارات في رأس المال المخاطر والتي تبلغ حوالي نسبة مئوية واحدة من الناتج (شريحة 6)، وبالقيمة المضافة لفروع تكنولوجيا المعلومات من الناتج – سواء في السلع، او الخدمات (شريحة 7). وبالتمعن في تركيبة التشغيل في فروع الهايتك (شريحة 8) يتبيّن ان حوالي نصف العمّال يعملون في مجال البرمجة والاستشارة في مجال الحواسيب؛ الربع يعملون في مجال انتاج الحواسيب والمعدّات الالكترونية والبصريّة، حوالي 15% في البحث العلمي والتطوير، والبقية في خدمات الاتصالات، انتاج الأدوية، خدمة المعلومات وغيرها.

ولكن، عندما نجمع كل العاملين في مجالات الهايتك المختلفة، رغم أننا الأعلى عالميًا من حيث وزنهم في التشغيل، الا أنّهم يشكلون 9% فقط من عدد الأجيرين في الجهاز الاقتصادي (الشريحة 9). العاملون في الهايتك، بأغلبيتهم العظمى، يعيشون ويعملون في مركز البلاد (شريحة 10) – في منطقة المركز، والتي يتركز فيها معظم العاملين في الهايتك وهم يشكلون 15% من مجموع العاملين هناك. حجم وظائف الهايتك في تل أبيب والمركز بقيت مستقرة على 60% في العقدين الأخيرين (الشريحة 11).

من ناحية توزيع العاملين بحسب الفروع في الهايتك والفروع الأخرى (الشريحة 12)، وتوزيع الاجور بحسب توزيع الفروع، يتبين أن العاملين في الهايتك يتركزون في فروع معينة، والتي فيها الأجور تقريبًا ضعف متوسط الأجور في الجهاز الاقتصادي، ولكن هؤلاء في النهاية يشكلون جزءًا صغيرًا من العاملين في الجهاز الاقتصادي؛ الـ 90% الاخرين يعملون في فروع ذات اجور اقل، ويبرز العدد الأكبر نسبيًا من العاملين في فروع الاستضافة والطعام والادارة المكتبيّة والدعم التقني، وفيها الاجور منخفضة.

تعكس صورة الاجور حقيقة ان معظم العاملين في الجهاز الاقتصادي الذي يحصلون على اجور منخفضة، يعملون في فروع انتاجية العمل فيها منخفضة أيضًا.

تتوافق هذه الصورة مع الحقيقة التي نعرفها جميعًا جيدًا بأن انتاجية العمل في اسرائيل منخفضة بمقارنة دوليّة، وأننا لا نتّجه نحو اغلاق الفجوة (شريحة 13). الانتاجية منخفضة بشكل خاص في الفروع المحلية، غير المكشوفة على المنافسة العالمية. احدى الطرق لتحسين الانتاجية هي من خلال الاستثمار في البحث والتطوير والذي يمكن ان يقود إلى الابتكار في المنتج او في عملية الانتاج، لكن الاستثمار في البحث العلمي والتطوير، وهو عالٍ في اسرائيل من حيث الناتج مقارنةً بالدول الاخرى، يتركز في فروع الهايتك – سواء في المنتجات أو الخدمات، وجزء صغير فقط يستثمر في البحث والتطوير في الصناعات من غير الهايتك (شريحة 14).  تدير سلطة الابتكار (العالم الرئيسي سابقًا) مسارات داعمة للبحث والتطوير في الصناعات التقليدية لتطوير ابتكارات جديدة في صناعة الانتاج وتحسين عمليات الانتاج، ولكن في السنوات الاخيرة بلغت منح سلطة الابتكار للصناعات التقليدية 5% فقط من مجمل المنح (شريحة 15). الاستثمار المنخفض نسبيًا في البنى التحتية من قبل الحكومة، والبيروقراطية المعقّدة وغير الناجعة، تؤدّي إلى جعل الاستثمارات الخاصة في الآلات والمعدات قليلة نسبيًا، وإلى جانب كون هذا العامل يقيد امكانيات التنمية المستقبلية بسبب عائق عامل الإنتاج، فهو يحول ايضًا دون تبني تكنولوجيا متطورة (شريحة 16). المهارات غير الكافية في جميع المجالات لدى القوى العاملة في اسرائيل، بما فيها في مجال حل المشاكل في البيئة الرقمية، تشكل عائقًا سواء أمام تطور وتوسع فروع الهايتك، أو قدرة بقية الفروع على تبني التكنولوجيا المتقدمة. يضاف هذا الامر إلى النقص الخطير في العاملين اصحاب التأهيل المهني في المجال التكنولوجي في جميع المستويات – من التقنيين وحتى المهندسين.

الاقتصاد المزدوج الذي وصفته ينعكس على الفجوات الاجتماعية في مؤشرات عديدة: الفروق في الاجور في اسرائيل هي الاكبر بين الدول المتطورة (شريحة 18)، وهي تعكس أولا عدم المساواة في المهارات وفق نتائج اختباراتPIAAC   التي تجريها OECD  (شريحة 19). المساهمة المنخفضة للسياسة في تقليص عدم المساواة مقارنةً بدول العالم، خلقت فروق كبيرة في الدخل المتاح للوحدات المنزلية في اسرائيل مقارنةً بالدول المتطورة (شريحة 20).


ما هه الاستنتاج الذي يظهر من هذا التحليل؟
تقليص الفجوة بين شطري الاقتصاد هو شرط أساسي لتقليص الفجوات ولخلق مجتمع واحد. وتحقيق ذلك لا يتم عبر ابطاء القطار، بل عبر التنمية الشاملة – بشكل يقود لرفع الانتاجية في بقية فروع الاقتصاد أيضًا – تلك التي يعمل فيها 90% من العاملين، وبهذا تستفيد جميع شرائح المجتمع. (شريحة 21).
 
كيف يمكننا دون أن نحوّل الاقتصاد بأكمله إلى الهايتك، ان نخلق اقتصادًا واحدًا، قطار حديث واحد؟
لا سبب يدعو لأن تستخدم بقية فروع الجهاز الاقتصادي تكنولوجيا قديمة، حتى لو لم تكن المنتجات أدوية او منتجات تكنولوجيا المعرفة. فرع البناء هو المثال المعروف– توفّر اليد العاملة الرخيصة طوال الوقت حال دون تبني تكنولوجيا تستخدم خارج البلاد منذ سنوات، ويمكنها أن تزيد الانتاجية المنخفضة في الفرع. يمكننا ذكر شركة "يسكار" كمثال مختلف – شركة تصنع منتجًا هو في نهاية الأمر منتج منخفض التقنية، ولكنها تستخدم تقنيات إنتاج من الأكثر تقدمًا بالاعتماد على البحث والتطوير المتقدم والمعرفة المتراكمة. كذلك فإن فروع الخدمات أيضًا تحتاج لتوفير تقنيات انتاج متقدمة. فمثلا، تستخدم شبكات التسويق الكبيرة في الولايات المتحدة واوروبا انظمة لادارة المخزون والمبيعات لم يتبناها فرع التجارة لدينا بمعظمه بعد. حتى في مجالنا، في بنك اسرائيل، نحاول ان نطوّر جزء الانتاج الموجود تحت مسؤوليتنا، مثلا عن طريق تشجيع استخدام وسائل الدفع المتقدمة، وزيادة المنافسة في سوق المقاصة – الأمر الذي سيمكّن المصلحة التجارية الصغيرة جدًّا من تجنب استهلاك موارد غير ضروريّة فيما يخص مجال الدفع، والاستفادة من النجاعة والأمان التي يمكن ان توفرها التكنولوجيا المتقدمة.

ما الذي يمكن عمله اذن من اجل ان تكون جميع العربات مثل القاطرة، حتى لو لم تحمل بالضرورة نفس الحمولة؟
  • الثروة البشرية – جهاز التعليم يجب أن يكسب مضامين ومهارات تساعد على الاندماج بشكل ناجع في سوق العمل لجميع الشرائح السكانيّة: توسيع التفضيل المصحّح في جميع مستويات التعليم، تعليم الرياضيات، اللغة الانجليزية، العبرية والعلوم والحاسوب واكساب تعليم تكنولوجي واسع في جميع مراحل الدراسة، اكساب مهارات معرفيّة تمنح القدرة على التأقلم في سوق العمل المتغير؛ وزيادة عدد الهندسيّين والمهندسين.
  • المنافسة – ازالة العوائق أمام الاستيراد، بما فيها فروع الخدمات، وزيادة المنافسة في السوق المحلي.
  • تبني التكنولوجيا – تعديل قانون تشجيع استثمارات رأس المال بحيث يشجّع الاستثمار في التكنولوجيا المتطورة أيضًا في الفروع التي تبيع للسوق المحلي والمنكشفة على المنافسة العالميّة.
  • تعزيز الابتكار – توسيع دعم الابتكار في "بقية الجهاز الاقتصادي" من خلال دعم العالم الرئيسي.
  • تحسين الأمور التنظيميّة – تحسين الأمور التنظيميّة، الأمر الذي سيقود إلى تحسين بيئة النشاط التجاري.
  • تحسين البنية التحتية الماديّة – من المتوقع أن تكون لزيادة الاستثمار في البنى التحتية مساهمة كبيرة بسبب المستوى المنخفض للبنى التحتية في اسرائيل مقارنةً بدول العالم، خصوصًا في مجال المواصلات العامة.


​​​