محافظة بنك اسرائيل في مؤتمر الصناعة: التحديات والتوجهات في الصناعة الاسرائيليّة وآليّات تطويرها

12/01/2017 |  Flug Karnit

الجهاز الاقتصادي والنشاط الاقتصادي
  • الوضع الماكرو اقتصادي في اسرائيل جيّد نسبيًّا: النمو عالٍ نسبيًّا، البطالة منخفضة، وهنالك ارتفاع ملحوظ في معدّل الأجور.
  • النمو العالمي المعتدل، تباطؤ التجارة العالميّة والتوقعات باستمرار النمو المعتدل في السنوات القريبة، كل ذلك يضع تحديات أمام تطوّر الصناعة الاسرائيليّة.
  • السياسة النقديّة التوسعيّة وشراء العملات الأجنبيّة تحمي المصنعين الاسرائيليّين من الأضرار التي يمكن أن تنجم نتيجة عوامل قصيرة المدى، لكن ليس بامكان السياسة النقديّة التحرك ضد التوجهات بعيدة المدى والتغييرات الهيكليّة في الجهاز الاقتصادي الاسرائيلي والاقتصاد العالمي.
  • تحدٍ كبير يقف أمام الجهاز الاقتصادي والصناعة الاسرائيليّة يتمثل في الحاجة إلى زيادة وتيرة الانتاجيّة في العمل، المتأثرة سلبًا من المستوى المنخفض لرأس المال المادّي والبشري، إلى جانب البيروقراطيّة والتنظيم العام غير الناجع.
  • انجازات جهاز التربية والتعليم منخفضة بمقارنة دوليّة، ولا تضمن التحسّن المطلوب في رأس المال البشري حين يصل الوقت وينخرط طلاب اليوم في سوق العمل. 
  • التحسّن الدائم والكبير في الانتاجيّة هو المفتاح لصناعة اسرائيليّة قويّة ومزدهرة قادرة على توفير تشغيل نوعي ومن شأنها أن تشكل محرّك هام لنمو الجهاز الاقتصادي الاسرائيلي.

قالت محافظة بنك اسرائيل، د. كرنيت فلوغ، خلال مؤتمر الصناعة إنّ البيئة الاقتصاديّة العالميّة تضع تحديات أمام تطوّر الصناعة الاسرائيليّة، إذ أنّ النمو العالمي معتدل ووفق التوقعات سوف يستمر على هذا الحال في السنوات القريبة، علمًا أنّ التجارة العالميّة والتي تعتبر المؤشر الذي يمثل بالصورة الأفضل الطلب العالمي الذي يقف مقابل الجهاز الاقتصادي الاسرائيلي، نمت لغاية الأزمة المالية العالميّة بوتيرة سريعة أكثر بكثير من الناتج العالمي، لكن في السنوات الأخيرة نمت بوتيرة شبيهة للناتج العالمي وفي العام 2016، وللمرّة الأولى منذ سنوات عديدة، نمت التجارة حتى بوتيرة أقل من الناتج العالمي. ويذكر أنّ أسعار البضائع والطاقة التي انخفضت في الأعوام 2014-2016 عادت للاستقرار، وقسم منها حتى ارتفعت خلال غالبية العام 2016، لكنّها لا تزال منخفضة نسبيًّا. يشار كذلك إلى أنّ السياسة النقديّة للبنوك المركزيّة الهامّة مستمرة بكونها توسعيّة جدًّا رغم زيادة الفائدة من قبل ال-FED.   

التصدير الاسرائيلي للبضائع والخدمات والذي ارتفع على مرّ الوقت بمعدّل شبيه للتجارة العالميّة، يعكس توجّه مختلط، ففي حين أنّ تصدير الخدمات من اسرائيل ارتفع أسرع من التجارة العالميّة في مجال الخدمات، الا أنّ تصدير البضائع، وبضمن ذلك التصدير الصناعي، انخفض في السنتين الأخيرتين وضعف آدائه حتى مقارنةً مع التجارة العالميّة في مجال البضائع.
هذه هي ظروف التجارة العالميّة التي يتحرّك في نطاقها الاقتصاد الاسرائيلي، والتي يتم أخذها بعين الاعتبار من قبل بنك اسرائيل عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة النقديّة. وعلى خلفيّة ذلك، تبرز الصورة الماكرو اقتصاديّة الايجابيّة للجهاز الاقتصادي الاسرائيلي. النمو المرتفع نسبيًّا والذي يرتكز في السنتين الأخيرتين بالأساس على زيادة سريعة في الاستهلاك الخاص وسوق العمل القوي الذي ينعكس في الارتفاع السريع في التشغيل وتدني البطالة إلى مستوى منخفض تاريخيًّا وارتفاع ملحوظ في معدّل الأجور.

مقابل ذلك، التضخم المالي لا يزال منخفض جدًّا، أكثر بكثير من المستوى المستهدف، بالأساس بسبب تأثير انخفاض أسعار الطاقة والبضائع، والتخفيضات في الأسعار بمبادرة الحكومة، وعلى ما يبدو أيضًا بسبب زيادة المنافسة، سواء في القطاعات المحليّة أو خارج البلاد، وعلى ضوء الزيادة الملحوظة في الاستهلاك الخاص، يمكن الجزم أنّ التضخم المالي المنخفض لا يعكس ضعف في الطلب المحلي.
  
وتجدر الاشارة إلى أنّ المتغيّر الهام الذي يؤثر على النشاط الاقتصادي، وبالذات القطاع القابل للتداول كالتصدير وبدائل الاستيراد، ويؤثر أيضًا على التضخم المالي، هو سعر صرف الشيكل مقابل سلة العملات، والذي سجّل ارتفاعًا بما يقارب 5% في السنة الأخيرة، نتيجة ارتفاع قليل مقابل الدولار، وارتفاع أكثر حدّة مقابل اليورو، ومقابل عملات أخرى انخفضت قيمتها لأسباب محدّدة مثل الجنيه البريطاني والليرة التركيّة. وتأثر سعر الصرف بالآداء الجيّد نسبيًّا للجهاز الاقتصادي الاسرائيلي بما في ذلك الفائض في الحساب الجاري، كما تأثر من حقيقة أنّ البنوك المركزيّة لقسم من الدول الشريكة المركزيّة تجاريًّا تتخذ سياسة نقديّة توسعيّة جدًّا، بما في ذلك الفائدة السلبيّة والتوسع الكمي.

واتخذ بنك اسرائيل في أعقاب ذلك سياسة نقديّة توسعيّة، مع بقاء الفائدة بمستوى منخفض 0.1%، ووفق تقديرات اللجنة النقديّة ستبقى الفائدة بهذا المستوى لوقت طويل. بالاضافة إلى ذلك، اشترى بنك اسرائيل عملة أجنبيّة بحجم يبلغ ما يقارب 6 مليار دولار، وذلك لتقليص تأثيرات انتاج الغاز الطبيعي على ميزان المدفوعات، والعمل لتفادي ارتفاع قيمة العملة المفرط الذي ينبع من القوى التي لا تعتبر القوى الاقتصاديّة الأساسيّة. ويشار إلى أنّ شراء العملة الأجنبيّة يحمي المصنعين الاسرائيليّين من الأضرار بعيدة المدى التي من الممكن أن تنتج عن هذا الارتفاع في قيمة العملة المؤقت بجوهره والنابع من السياسة النقديّة التوسعيّة جدًّا للبنوك المركزيّة لقسم من الدول الشريكة تجاريًّا لاسرائيل.

ومن الجدير بالذكر أنّ السياسة النقديّة ليس بامكانها تفادي تأثيرات التغييرات الهيكليّة في الجهاز الاقتصادي الاسرائيلي والتوجهات بعيدة المدى في الاقتصاد العالمي.

ويذكر أنّ حجم الصناعة في الاقتصاد الاسرائيلي غير مرتفع بمقارنة دولية، وعمليًّا أيضًا في الماضي الجهاز الاقتصادي الاسرائيلي لم يكن جهازًا صناعيًّا جدًّا. مع ارتفاع مستويات المعيشة العالميّة، حجم الصناعة من مجمل الناتج العالمي، وعلى وجه الخصوص في الدول المتطورة، ينخفض، علمًا أنّ الانخفاض في اسرائيل في حجم الصناعة يعتبر معتدل بالمقارنة مع دول أخرى.

وينعكس هذا التوجه أيضًا في التصدير الاسرائيلي، ففي ال-20 سنة الأخيرة، انخفض حجم تصدير البضائع من مجمل التصدير الاسرائيلي من 70% إلى ما يقارب 60%، في حين أنّ حجم تصدير الخدمات ارتفع إلى ما يقارب 40%. بالمقابل، فانّ حجم الصناعات التكنولوجيّة المتقدّمة بلغ ما يقارب ثلاثة أرباع التصدير الصناعي.

كما أنّ التوزيع الجغرافي للتصدير يتغيّر، ففي ال-20 سنة الأخيرة هنالك توجه للتنويع في الدول المستهدفة للتصدير، بحيث أنّ حجم الأسواق الرئيسيّة- الولايات المتحدة وأوروبا- تقلص لما يزيد بقليل عن النصف فقط، وبلغ حجم آسيا واسواق أخرى لما يقارب النصف. مقابل ذلك، في مجال تصدير الخدمات التجاريّة، لا تزال تبرز الدول التي تصدّرت تقليديًّا قائمة وجهات التصدير الاسرائيلي- الولايات المتحدة وأوروبا- والتي تشكل ما يقارب ثلاثة أرباع وجهات التصدير.

التحدي الكبير الذي يقف أمام الجهاز الاقتصادي الاسرائيلي عامةً، وأيضًا الصناعة، هو الحاجة لرفع وتيرة الزيادة في انتاجيّة العمل، بالذات أنّه على مرّ الوقت لم يتم تحقيق نجاح في اغلاق الفجوة مقابل الدول المتطورة.

الفجوة في الانتاجيّة كبيرة خاصةً في القطاعات المحليّة، أي القطاعات التي توجه القسم الأساسي من انتاجها للسوق المحليّة والتي لا تتعرض للمنافسة العالميّة، وهذا ينطبق على الصناعة  وقطاعات البناء والتجارة والخدمات المختلفة، في هذه القطاعات الناتج لساعة العمل في اسرائيل أقل بكثير من الناتج لساعة العمل في نفس القطاعات في الدول المتطورة.

وأهم العوامل لهذه الفجوة في الانتاجيّة تعود إلى أنّ بيئة العمل في اسرائيل غير وديّة نتيجة البيروقراطية المفرطة والتنظيم العام غير الناجع، إلى جانب الاستثمار المنخفض نسبيًّا في رأس المال المادي للعامل كما أنّ رأس المال البشري غير كافٍ كما يظهر في المقاييس المختلفة لمستوى المهارات الأساسيّة المطلوبة لآداء العمل بصورة ناجعة في سوق العمل. وفي مجال رأس المال البشري فانّ ما يثير القلق أكثر أنّ جهاز التعليم الحالي لا يضمن تحسن الوضع حين يصل طلاب اليوم إلى سوق العمل، فتحصيلهم أقل بمقارنة دوليّة في كل المجالات والفجوات بين الطلاب من الخلفيّات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة المختلفة والمجموعات السكانيّة المختلفة هي كبيرة جدًّا.

وهنالك أيضًا عامل اضافي يؤثر على الفجوات في الانتاجيّة والذي يتمثل في العوائق في مجال التجارة والتي تنعكس في المقاييس المختلفة. وتشمل هذه العوائق الاجراءات المعقدة للحصول على مصادقات للاستيراد والتي لا تتوافق مع المعايير الدولية فضلا عن كونها مكلفة وغير واضحة، كما أن هنالك قيود على التجارة في قطاع الخدمات وعوائق تنظيميّة وغيرها.

وعلى ضوء ما ذكر أعلاه، يتوجب تحسين رأس المال البشري من خلال تعزيز الكفاءات الأساسيّة وحجم المضامين التكنولوجيّة وزيادة الاستثمار في جهاز التعليم والتأهيل المهني، بالاضافة إلى تعميق التفضيل المصحح لتقليص الفجوات. كما يتوجب اتخاذ خطوات لتحسين بيئة العمل وتنجيع التنظيم الحكومي وتقليص البيروقراطية. إلى جانب ذلك، يجب ازالة العوائق التي تحول دون الانكشاف على المنافسة العالمية ويجب تحفيز ودعم ادخال تحسينات تكنولوجية في القطاعات التقليديّة، بما في ذلك قطاع الخدمات، بالاضافة إلى زيادة ميزانيّة العالم الرئيسي في مجال البحث والتطوير. وليس هنالك أدنى شك أنّ التحسين الدائم والجوهري في الانتاجية هو المفتاح لصناعة اسرائيليّة قوية ومزدهرة والقادرة على توفير تشغيل نوعي وأن تكون محرك هام لنمو الجهاز الاقتصادي الاسرائيلي.


​​​